top of page

اليمن: عندما يصبح باب المندب بديلًا عن الدولة — لماذا لا تقود المكاسب العسكرية إلى السلام؟

قبل 18 ساعة
5 دقيقة قراءة

النسخة الإنجليزية: https://www.kmtcentre.com/post/yemen-bab-el-mandeb-why-military-gains-may-not-produce-peace

التقييم الرئيسي

يدخل اليمن مرحلة تتداخل فيها حرب السيطرة على الأرض مع أمن البحر الأحمر. الفرضية المركزية لهذا التقييم هي أن الموقع الاستراتيجي يمنح الفاعلين المسلحين قدرة على فرض تكاليف إقليمية ودولية تفوق قدرتهم على إنشاء حكم مستقر داخل اليمن. يستطيع طرف أن يعزز قوته التفاوضية بالضغط على باب المندب والمطارات، لكن ذلك لا يترجم تلقائيًا إلى شرعية سياسية أو خدمات أو مؤسسات وطنية. وكلما أعيد تعريف النزاع انطلاقًا من أمن الممرات والمنشآت وحده، أصبح خطر تأجيل إعادة بناء الدولة أكبر. هذه فرضية تحليلية قابلة للاختبار، لا حكمًا مسبقًا على نيات الأطراف.

1. ما الذي تغير في خريطة الصراع؟

منذ هدنة 2022 انخفض مستوى المعارك الواسعة دون تسوية الانقسامات السياسية والاقتصادية. ثم شهد عام 2026 تجدد التصعيد. أعلن المبعوث الأممي في 10 سبتمبر أن الحوثيين تقدموا نحو المخا على الساحل الغربي وسيطروا عليها آنذاك، مع استمرار تغير الوضع الميداني. وفي أوائل أكتوبر أعلنت قوات حكومية مدعومة سعوديًا استعادة مواقع قرب باب المندب، وسط تقارير متعارضة حول السيطرة الدقيقة. وامتدت الهجمات إلى مطار عدن ومطارات سعودية في 7 أكتوبر، مع وقوع ضحايا في السعودية. ينبغي قراءة أخبار السيطرة باعتبارها مؤرخة وقابلة للتغير، لا خريطة نهائية.

2. المعضلة الحوثية: التعطيل أم الحكم؟

تمتلك جماعة أنصار الله (الحوثيون) قاعدة سيطرة واسعة في شمال غرب اليمن وقدرات بالصواريخ والمسيّرات تهدد مواقع أبعد من جبهاتها. لكن القدرة على تعطيل حركة النقل أو تهديد بنية تحتية تختلف عن القدرة على ضمان الرواتب والخدمات وإدارة اقتصاد منتج. وكلما أصبحت القدرات بعيدة المدى مصدرًا لموقع تفاوضي قوي، أصبحت القيود عليها من أكثر بنود الاتفاق الأمني كلفة من منظور الجماعة. هذا التناقض لا يثبت رفضًا مسبقًا للتسوية؛ بل يفسر لماذا لا تكفي التنازلات الاقتصادية المحدودة لحل مسألة دور القوة المسلحة وحدود استخدامها.

3. معضلة الحكومة: السيادة دون توافق داخلي

تستفيد الحكومة المعترف بها دوليًا من الاعتراف الدبلوماسي، لكنها تواجه تحديًا في تحويله إلى إدارة موحدة على الأرض. وكشفت التحولات التي شهدتها القوى الجنوبية في 2025 و2026 أن تقارب الأطراف عسكريًا ضد الحوثيين لا يلغي الخلاف حول التمثيل وتقاسم الموارد وطبيعة الدولة. وقد تستعيد قوات الحكومة مواقع ساحلية مهمة، لكن ترميم السيادة يتطلب قواعد حكم مقبولة للمناطق والمجتمعات المحلية. فإذا أجلت التعبئة العسكرية هذه القضايا، فقد يظهر النزاع الداخلي في صورة جديدة بعد تراجع المواجهة الأساسية.

صورة إنسانية ميدانية من عدن، 18 نوفمبر 2025 — FCDO، CC BY 4.0

عدن، 18 نوفمبر 2025؛ تصوير مكتب الخارجية والتنمية البريطاني، CC BY 4.0. صورة سياقية وليست من أحداث أكتوبر 2026.

4. باب المندب: قوة الجغرافيا وحدود الشرعية

يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن، ويجعل التحكم بمقارباته البحرية مؤثرًا في التجارة والطاقة والمصالح الأمنية لدول عديدة. لذلك يستطيع فاعل يملك قدرات تهديد محدودة نسبيًا أن يوسع تأثيره التفاوضي إلى خارج اليمن. وفي المقابل، تميل القوى الإقليمية إلى إعطاء أمن الممر أولوية قد تنفصل عن بناء مؤسسات يمنية مشتركة. ينبغي التمييز بين التهديد المحتمل للملاحة وبين تعطيلها الفعلي؛ فقد أشارت إحاطة أممية في سبتمبر إلى أن عبور السفن كان مستمرًا آنذاك رغم القلق المتزايد. الاستنتاج: نفوذ الممر البحري لا يساوي شرعية الحكم.

5. الحلقة الهدامة: كيف يصنع الصراع شروط استمراره؟

تقترح مقاربة KMT تفسيرًا سببيًا مترابطًا: ضعف السلطة والمؤسسات يسمح بتعدد القوى المسلحة؛ وتوزع الحرب السيطرة على الإيرادات والموانئ والطرق؛ وتتكون شبكات مصالح تتكيف مع الانقسام؛ ويضعف تراجع الخدمات والنزوح والبطالة قدرة المؤسسات المدنية على استعادة دورها؛ فترتفع كلفة توحيد الأجهزة والموارد؛ وتستمر الحرب لأن نتائجها تجعل إنهاءها أصعب. وفي اليمن تضيف القيمة الإقليمية للممرات البحرية حلقة أخرى: قد يحصل الفاعل المحلي على دعم أو نفوذ خارجي من قدرته على التهديد بدل قدرته على إدارة البلاد. ليس المقصود أن الجميع يربح، إذ يتحمل المدنيون عبئًا هائلًا، بل أن مصالح محددة تنشأ من استمرار الانقسام.

6. اقتصاد الانقسام: لماذا لا يكفي وقف النار؟

تراجعت قدرة المؤسسات على جمع الإيرادات وتقديم الخدمات ضمن نظام موحد، مع تعطل صادرات النفط واستمرار الضغوط على العملة والأجور. وقد قدر البنك الدولي انكماش الناتج الحقيقي بنسبة 1.5% في 2025، مع توقع تراجع إضافي في 2026 وفق تقرير مايو. إن أي وقف إطلاق نار لا يجيب عن أسئلة من يدير العائدات، وكيف تدفع الرواتب، ومن يشرف على المنافذ والعملة، قد يجمّد خطوط الانقسام الاقتصادي. لذلك يمثل الاتفاق على قواعد الإيرادات والإنفاق العام شرطًا سياسيًا للسلام، لا ملحقًا تقنيًا له.

صورة إنسانية ميدانية من عدن، 18 نوفمبر 2025 — FCDO، CC BY 4.0

عدن، 18 نوفمبر 2025؛ تصوير مكتب الخارجية والتنمية البريطاني، CC BY 4.0. صورة سياقية وليست من أحداث أكتوبر 2026.

7. الأمن البشري: من نتائج العنف إلى هشاشة المجتمع

قدرت خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2026 حاجة أكثر من 22 مليون شخص للمساعدة والحماية، مع نحو 18.3 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد ونحو 5.2 ملايين نازح داخليًا. هذه أرقام من خطة سابقة للتصعيد الأخير ولا تقيس خسائره وحده. لكن دلالتها الاستراتيجية واضحة: التدهور المعيشي يعطل التعليم والصحة والعمل، ويُضعف قدرة المجتمع على إنشاء بديل سياسي اقتصادي. وما لم تُربط التسوية باستعادة الأمن الغذائي والماء والصحة والتعليم، سيظل خفض المواجهات العسكرية غير كافٍ لتحقيق تعافٍ مستدام.

8. القلقلة الإقليمية والمعضلة الأمنية

تعد السعودية أمن حدودها ومطاراتها ومرافقها الحيوية مسألة مباشرة، بينما ترى جماعة الحوثيين في المحافظة على قدرات الردع وسيلة لمنع فرض شروط عليها. يمكن لكل طرف أن يتخذ إجراءات يعتبرها دفاعية لكنها ترفع إحساس خصمه بالتهديد. كما أن العلاقات الإقليمية والتدخلات الخارجية توسع الموارد أو الخيارات المتاحة للمقاتلين، وقد تؤخر قبول تنازلات داخلية. لكن القلقلة ليست قدرًا محتومًا: اتفاقات قابلة للتحقق بشأن وقف الهجمات وحركة الممرات والموارد تستطيع تغيير الحوافز إذا ارتبطت بمؤسسات يمنية مستدامة.

9. مأزق الوساطة: وقف المعارك أم تغيير القواعد؟

تشمل معضلة الوساطة ثلاثة أسئلة لا يمكن فصلها: كيف تضبط القوة المسلحة العابرة للحدود؟ وكيف تبنى إدارة شرعية دون استبعاد الجنوب والمناطق المحلية؟ وكيف توحد الموارد المالية دون الإضرار بحقوق التمثيل والخدمات؟ إن اتفاقًا يوزع المناصب بين قادة مسلحين وحدهم قد يعيد إنتاج الانقسام الذي أدى إلى الحرب. كما أن ترتيبًا إقليميًا يركز على سلامة الملاحة دون مستقبل المؤسسات اليمنية قد يخفض المخاطر الخارجية ويترك الأزمة الداخلية قائمة. الحلقة البناءة تتطلب قواعد مشتركة للسلطة والإيرادات والمساءلة والأمن الإقليمي.

10. مؤشرات اختبار الفرضية

تضعف فرضية أن النفوذ الجغرافي يعيد إنتاج الحرب إذا ظهرت مؤشرات قابلة للتحقق: خفض مستدام لهجمات الصواريخ والمسيّرات على المنشآت المدنية والملاحة؛ اتفاق على الرواتب والإيرادات؛ تحسن إدارة الموانئ والطرق كخدمات عامة؛ مشاركة القوى المدنية والجنوبية والمحلية في ترتيبات سياسية ملزمة؛ واستعادة الخدمات في مناطق السيطرة المختلفة. أما تقلب خطوط الجبهة حول المخا وباب المندب دون تغيّر هذه القواعد فلا يعد دليلًا على استعادة الدولة.

11. مسارات الأشهر المقبلة

يمكن تصور أربعة مسارات مشروطة: استمرار التنازع على الساحل والطرق الاستراتيجية؛ أو احتواء أمني يوقف الهجمات الإقليمية دون تسوية المؤسسات؛ أو اتساع العمليات في اليمن والمنطقة وما يرافقه من تهديد للسكان والمنشآت؛ أو مسار متدرج يربط ضمانات أمنية قابلة للتحقق بترتيبات اقتصادية وإصلاح مؤسسي. هذه ليست توقعات محسومة ولا احتمالات رقمية؛ يتحدد اتجاهها عبر تفاعل القدرات الميدانية والدعم الخارجي واستعداد القوى اليمنية لتغيير قواعد السلطة.

الحكم الاستراتيجي النهائي

المعضلة اليمنية لم تعد مجرد سؤال عن السيطرة على صنعاء أو عدن أو باب المندب. إنها سؤال عما إذا كان الموقع الجغرافي الاستراتيجي يمكن أن يتحول من مورد لنفوذ القوى المسلحة إلى مورد يساهم في أمن المجتمع وإعادة بناء الدولة. فالسيطرة على الممر البحري قد تعطي أوراق ضغط، لكنها لا تعوض الإدارة المدنية والاقتصاد المشترك والشرعية السياسية. لا يتحقق السلام بإعادة رسم خطوط السيطرة وحدها، بل بتغيير القواعد التي تعيد إنتاج العنف.

المصادر والتوثيق البصري

المصادر: إحاطة المبعوث الأممي إلى اليمن 10 سبتمبر 2026؛ رويترز 5 و7 أكتوبر 2026؛ البنك الدولي مايو 2026؛ خطة الأمم المتحدة للاحتياجات الإنسانية 2026؛ إحاطة مكتبة مجلس العموم البريطاني حول اليمن. الصور: مشاهد إنسانية حقيقية من عدن 18 نوفمبر 2025، تصوير Foreign, Commonwealth & Development Office، بترخيص CC BY 4.0، وليست صورًا لأحداث أكتوبر 2026. رابط الترخيص: https://creativecommons.org/licenses/by/4.0/. المرجع البصري: https://commons.wikimedia.org/wiki/File:18_November_2025,_Aden,_Yemen._UK_Minister_for_the_Middle_East,_Hamish_Falconer_MP,_visits_Yemen_-_6.jpg

روابط التوثيق:

 
 
bottom of page