top of page

من السكن كحق إلى السكن كامتياز إداري: كيف انقسمت دمشق بين المخطط والواقع؟ #11

قبل 6 ساعات
7 دقيقة قراءة

سلسلة التحول الحضري في الدول التي شهدت استعماراً – دمشق نموذجاً

الفصل الثالث | دولة الضبط: من التفاوت إلى الترويض الحضري | المقال الرابع


دمشق بين مسارين عمرانيين: الأحياء غير المنظمة والمدينة المخططة
دمشق بين المدينة التي ينتجها المخطط والمدينة التي ينتجها المجتمع.

انتهينا في المقال السابق عند لحظة شديدة الأهمية: لم يؤدِّ تفتيت الأرض الزراعية وفشل بناء اقتصاد ريفي قابل للحياة إلى أزمة في الحقل وحده، بل دفع المدينة نفسها إلى ابتلاع ريفها. ومع تراجع جدوى الزراعة، وتزايد الهجرة إلى دمشق، وتحول أجزاء من الغوطة إلى مجال للبناء، بدأ السؤال يتغير.


لم يعد السؤال: من يملك الأرض؟ بل أصبح: من يستطيع أن يسكن المدينة بصورة قانونية؟

وهنا انتقلت الأزمة من الحقل إلى البيت. فالمواطن الذي انتقل إلى دمشق بحثًا عن العمل لم يكن يحتاج إلى سقف فقط؛ كان يحتاج إلى قطعة أرض قابلة للبناء، وترخيص، وبنية تحتية، وتمويل، وربط بخدمات المدينة. أي أنه كان يحتاج، بصورة أو بأخرى، إلى المرور عبر الدولة.


ومنذ نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات، أُنشئت في سوريا مؤسسات متعددة للتدخل في قطاع السكن، من بينها التعاونيات السكنية عام 1958، والمؤسسة الاجتماعية العسكرية عام 1959، والمؤسسة العامة للإسكان عام 1961. كان الهدف المعلن توسيع إنتاج السكن وتنظيم التوسع الحضري وتوفير قنوات غير تجارية بحتة للوصول إلى المسكن.


لكن المشكلة التي ستظهر لاحقًا لم تكن غياب المؤسسات. كانت الفجوة بين حجم المدينة التي كانت تتشكل في الواقع، وحجم المدينة التي تستطيع هذه المؤسسات إنتاجها على الورق.


حين أرادت الدولة أن تبني المدينة من الأعلى


في النموذج الذي تبلور خلال الستينيات والسبعينيات، أصبح للدولة حضور واسع في إنتاج الأرض المنظمة والسكن. دخلت المؤسسات العامة والتعاونيات في عمليات استملاك وتخطيط وإنشاء مساكن، وجرى التعامل مع السكن باعتباره جزءًا من مشروع اجتماعي أوسع، لا مجرد سلعة يحدد السوق وحده سعرها ومكانها.


من الناحية النظرية، كان هذا النموذج قادرًا على أداء وظيفة تاريخية مهمة: استيعاب القادمين إلى المدينة، ومنحهم سكنًا رسميًا، وربطهم تدريجيًا بشبكات العمل والخدمات والتعليم والإدارة. أي أن السكن كان يمكن أن يكون بوابة للاندماج الحضري.


غير أن الطلب على السكن نما بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات الرسمية على إنتاجه. وتشير الدراسات المتعلقة بدمشق إلى أن التوسع غير الرسمي تسارع بصورة خاصة منذ السبعينيات والثمانينيات، في ظل النمو السكاني، والهجرة الريفية، ووصول موجات من النازحين واللاجئين من صراعات إقليمية، إضافة إلى قصور أدوات التخطيط العمراني عن استيعاب هذه الحركة.


هنا بدأت المدينة تنقسم عمليًا إلى مسارين: مسار رسمي يمر عبر المخطط والمؤسسة والرخصة والتعاونية، ومسار آخر يبنيه السكان بأنفسهم.


عندما أصبحت سرعة البيت أكبر من سرعة المخطط


المشكلة الأساسية في قراءة العشوائيات السورية هي النظر إليها باعتبارها مجرد خرق للقانون.


فالناس لم يستيقظوا صباحًا ويقرروا بصورة جماعية إنشاء مدينة مخالفة. ما حدث أكثر تعقيدًا: الطلب على السكن كان موجودًا، والعمالة كانت تنتقل إلى المدينة، والأسرة كانت تكبر، لكن قدرة السوق الرسمية والمؤسسات العامة على توفير السكن لم تكن كافية.


بينما كانت الخطة التنظيمية تحتاج سنوات، كان الزواج يحتاج بيتًا خلال أشهر.

وبينما كانت المؤسسة العامة للإسكان تحتاج إلى الأرض والتمويل والمناقصة والتنفيذ والتخصيص، كان بإمكان أسرة أن تشتري حصة صغيرة من أرض زراعية، ثم تبني غرفة، ثم تضيف غرفة أخرى، ثم طابقًا حين يتحسن دخلها.


هكذا لم تتوسع المدينة وفق مخطط واحد، بل وفق زمنين مختلفين: زمن المؤسسة، وزمن المجتمع. وكان زمن المجتمع أسرع.


تظهر الدراسات أن البناء غير الرسمي لم يكن ظاهرة هامشية محدودة. وتقدّر دراسة تستند إلى بيانات حكومية لعام 2004 أن المناطق غير الرسمية كانت تضم قرابة 40% من سكان تجمع دمشق الحضري آنذاك. كما تشير أبحاث أخرى إلى أن البناء الذاتي غير الرسمي مثّل خلال بعض المراحل نسبة كبيرة جدًا من النشاط العمراني الجديد.


المخالفة لم تعد استثناءً داخل المدينة؛ أصبحت إحدى آليات إنتاج المدينة نفسها.

المخالفة ليست دائمًا سرقة أرض


حتى كلمة «عشوائيات» تخفي وراءها أوضاعًا قانونية مختلفة.


ففي بعض المناطق، بُنيت مساكن على أراض عامة من دون حق قانوني واضح في إشغالها. لكن في مناطق أخرى، وخصوصًا في الغوطة وحواف دمشق، كان السكان يملكون الأرض أو يشترونها بصورة مشروعة، بينما كانت عملية البناء نفسها مخالفة للتنظيم لأن الأرض مصنفة زراعية أو واقعة خارج مناطق البناء.


وهذه نقطة أساسية لفهم ما جرى لاحقًا. فالمدينة لم تكن منقسمة ببساطة بين «مالك قانوني» و«معتدٍ غير قانوني».


كان هناك شخص قد يكون مالكًا للأرض، ويدفع ثمن الماء والكهرباء، ويرسل أطفاله إلى مدرسة حكومية، ويعيش داخل اقتصاد المدينة، لكنه يسكن في بناء لا تعترف الخطة التنظيمية بشرعيته الكاملة.


إنه داخل الدولة وخارجها في الوقت نفسه.

وهذه الازدواجية ستصبح واحدة من أكثر الخصائص ثباتًا في التحول الحضري السوري.


الدولة تعترف بالسكان... ولا تعترف بالكامل بالمكان


المثير للاهتمام أن السياسة العامة تجاه هذه المناطق لم تكن سياسة هدم مستمرة.


فبحسب دراسات تناولت دمشق، ظهرت منذ السبعينيات إجراءات تحد من هدم بعض الأبنية الصلبة دون تأمين بديل للسكان، ثم اتُخذ خلال الثمانينيات توجه نحو تحسين بعض المناطق غير الرسمية ودمجها بالخدمات. وخلال الثمانينيات والتسعينيات توسعت أعمال إيصال المياه والكهرباء والصرف الصحي والمرافق العامة إلى العديد من هذه المناطق.


وهكذا تشكل وضع حضري بالغ الغرابة: الدولة تمد شبكة الكهرباء إلى حي لا يعترف التخطيط به بالكامل، وتفتح مدرسة لخدمة أطفال يسكنون أبنية مصنفة كمخالفات، وتعبّد الشوارع، لكنها لا تحل أصل المشكلة العقارية والتنظيمية.


أي أنها تعترف بالناس بوصفهم سكانًا يحتاجون إلى الخدمات، لكنها تؤجل الاعتراف الكامل بالمكان بوصفه جزءًا طبيعيًا من المدينة.


هذه ليست مسألة لغوية. فالفارق بين تقديم الخدمة وبين تسوية الوضع القانوني يصنع اقتصادًا وسياسة وعلاقات قوة كاملة.


من يملك القرار المتعلق بالتسوية؟ متى تدخل المنطقة في التنظيم؟ ما المبنى الذي يمكن إبقاؤه؟ ومن سيحصل على التعويض إذا جاء الاستملاك؟ ومن يملك الوثيقة الأقوى حين تتعارض الحيازة الفعلية مع المخطط؟


كل هذه الأسئلة تجعل قيمة المنزل لا تعتمد فقط على الإسمنت والأرض، بل على درجة اعتراف المؤسسة به.


من سعر الأرض إلى سعر الاعتراف


وهنا يمكن فهم التحول من «الأرض كأصل» إلى «الوضع القانوني كأصل».


في السوق الطبيعية، يفترض أن يحدد موقع الأرض ومساحتها والخدمات المحيطة بها جزءًا كبيرًا من قيمتها.


لكن في مدينة تتجاور فيها الملكية والتخطيط والمخالفة والتسوية والاستملاك، تدخل قيمة أخرى إلى المعادلة: احتمال الاعتراف.

قطعة أرض رخيصة اليوم قد تصبح باهظة إذا دخلت غدًا ضمن التنظيم. ومنزل مخالف قد ترتفع قيمته بمجرد انتشار توقعات بالتسوية. وفي المقابل، قد يفقد عقار قيمته إذا أصبح مهددًا بالاستملاك أو إذا استحال تثبيت حقوق أصحابه.


بهذه الطريقة، لم يعد التخطيط الحضري مجرد أداة لترتيب الطرق والحدائق والأبنية. تحول القرار التنظيمي نفسه إلى منتِج للقيمة الاقتصادية.


وكلما غابت القواعد الواضحة والمشاركة المحلية والشفافية، ارتفعت قيمة المعلومة والعلاقة والقدرة على توقع القرار.


وقد ذهب بعض الباحثين إلى أن التسوية الانتقائية للمناطق غير الرسمية ساهمت في تكوين علاقات زبائنية بين السكان والسلطات المحلية أو السياسية. هذه قراءة تفسيرية في الأدبيات، وليست حقيقة واحدة متفقًا عليها، لكنها تساعد على فهم كيف يمكن أن تتحول مسألة قانونية وعمرانية إلى علاقة تفاوض اجتماعي وسياسي.


الجمعيات السكنية: حل اجتماعي وقع في عنق الزجاجة المؤسسي


كانت التعاونيات السكنية محاولة مهمة لكسر هذه الحلقة.


الفكرة بسيطة في أصلها: يتجمع أفراد يحتاجون إلى السكن، يدفعون أقساطًا تدريجية، وتحصل الجمعية على الأرض وتنفذ المشروع، فيتحول التمويل الجماعي إلى مساكن أقل كلفة من السوق.


لكن هذا النموذج كان يعتمد في النهاية على مورد لا تملكه الجمعية وحدها: الأرض المنظمة.

وحين تصبح الأرض القابلة للبناء نادرة، وعملية تخصيصها بطيئة، وترتفع كلفة البنية التحتية، يتحول المشروع السكني من عملية بناء إلى عملية انتظار.


وهنا تظهر المفارقة. الشخص المنضم إلى المسار الرسمي قد ينتظر سنوات للحصول على المسكن، بينما يستطيع شخص آخر بناء منزل غير رسمي خلال أشهر.


وهكذا بدأت الدولة تخسر المنافسة مع العشوائي، لا لأن البناء غير الرسمي أفضل، بل لأنه أكثر قدرة على التكيف مع الزمن الحقيقي للأسرة.


هذه من أهم خصائص الفضاء غير الرسمي: مرونته. يبدأ المنزل بطابق، ثم يصبح طابقين. تعيش الأسرة في جزء وتؤجر جزءًا. يتحول الطابق الأرضي إلى ورشة. تُفتح دكانة. يعمل أحد الأبناء في المنزل. ثم تتغير وظيفة المبنى مع تغير الأسرة.


إنه عمران ينمو كما تنمو الشجرة، لا كما ينفذ المقاول مخططًا مكتملًا منذ اليوم الأول.


لكن هذه المرونة كان لها ثمن: طرق أضيق، نقص في المساحات العامة، ضغط على شبكات المياه والصرف، ونقص في المدارس والخدمات مقارنة بالكثافة السكانية الحقيقية. ولهذا أكدت دراسات متعددة أن المشكلة الأساسية في كثير من أحياء دمشق غير الرسمية لم تكن دائمًا نوعية البناء نفسها، بل الفجوة في البنية العامة والخدمات والتخطيط.


حين أصبح غير الرسمي جزءًا من النظام


هنا نصل إلى مفارقة الفصل كله.


لقد حاولت الدولة ضبط المدينة عبر التنظيم. لكن عجز التنظيم عن الاستجابة للطلب دفع السكان إلى البناء خارجه. ثم اضطرت الدولة إلى إيصال الخدمات إلى ما بُني خارج التنظيم. فأصبح الخارج جزءًا من الداخل.


لم تعد المدينة الرسمية قادرة على الحياة دون اقتصاد الأحياء غير الرسمية، ولا تلك الأحياء قادرة على الحياة دون خدمات الدولة.


نشأ بذلك نظام حضري هجين: الدولة تخطط جزءًا من المدينة، والسكان ينتجون جزءًا آخر، ثم تأتي الدولة لاحقًا لتحاول ربط ما أنتجه السكان بالشبكات العامة.


لا يمكن وصف العشوائيات فقط بأنها فشل للتخطيط؛ إنها أيضًا آلية بديلة ظهرت عندما لم يستطع التخطيط إنتاج ما يحتاج إليه المجتمع بالسرعة والحجم والسعر المناسبين.

لكن المشكلة أن الآلية البديلة لم تُمنح أدوات التحول إلى مدينة كاملة. فبقيت مناطق واسعة معلقة بين الاعتراف والإنكار، وبين الملكية والتنظيم، وبين الخدمة والحق.


المدينة التي بنت مسارين للمواطنة


حين ننظر إلى النتيجة على مدى عقود، يظهر أن القضية لم تعد قضية إسكان فقط.


فالمدينة الرسمية تمنح ساكنها عنوانًا قانونيًا واضحًا، وترخيصًا، وعقارًا قابلاً للرهن والبيع ونقل الملكية بصورة أكثر استقرارًا.


أما المدينة غير الرسمية، فتعتمد بدرجات مختلفة على الحيازة والعقود الخاصة والواقع الفعلي وشبكات القرابة والتسويات اللاحقة.


وهكذا صار مكان السكن يؤثر في طبيعة العلاقة بالمؤسسة. لم يعد الفرق بين حي منظم وحي مخالف فرقًا في عرض الشارع فقط. إنه فرق في درجة اليقين القانوني.


ومن هنا يمكن إعادة قراءة تاريخ دمشق الحديث من زاوية مختلفة: لم تنشأ مدينتان لأن فئة من السكان اختارت النظام وفئة أخرى اختارت الفوضى. نشأتا لأن النظام الاقتصادي والمؤسساتي لم يستطع أن يفتح بوابة المدينة الرسمية بالسرعة والحجم اللذين احتاجهما المجتمع.


فبنى المجتمع بوابة أخرى. وكل ما جرى لاحقًا كان محاولة مستمرة للتعامل مع نتائج وجود البابين.

من المدينة الاجتماعية إلى المدينة الاستثمارية


لكن هذه المعادلة ستتغير مرة أخرى مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.


فالقطاع العام الذي عجز عن إنتاج ما يكفي من السكن بدأ يتراجع، في الوقت الذي أخذت فيه السياسات الاقتصادية تتجه بصورة أكبر نحو السوق والاستثمار العقاري الخاص. وتشير الأدبيات إلى أن إصلاحات واسعة مست قوانين الإسكان والتخطيط والإيجارات والاستثمار والعقار خلال العقد الأول من الألفية، ضمن التحول نحو ما سمي رسميًا «اقتصاد السوق الاجتماعي».


وهنا سيظهر سؤال جديد أكثر خطورة: إذا كانت الدولة السابقة قد فشلت في توفير السكن الاجتماعي الكافي، فهل سيحل السوق المشكلة؟ أم أن الأرض التي كانت محل صراع بين المخطط والعشوائي ستتحول هذه المرة إلى أصل استثماري عالي القيمة، لتنشأ صيغة جديدة من الإقصاء؟


هذا هو موضوع المقال القادم.


سننتقل من مدينة الضبط إلى مدينة الاستثمار، ومن أزمة إنتاج السكن إلى اقتصاد إعادة تطوير الأرض، لنرى كيف دخل رأس المال العقاري إلى المعادلة، وكيف أصبحت المناطق غير الرسمية التي أهملها التخطيط لعقود من أكثر المواقع جذبًا لمشاريع إعادة التنظيم.


لم يعد السؤال فقط من يستطيع أن يبني في المدينة، بل أصبح: من يملك الحق في إعادة بنائها؟


المصادر والمراجع


للقراءة والتوسع، اعتمد المقال على الأدبيات التالية:




bottom of page